جلال الدين السيوطي
55
الإتقان في علوم القرآن
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [ البقرة : 16 ] استعير الاشتراء للاستبدال والاختيار ، ثم قرن بما يلائمه من الربح والتجارة . والثانية : أن تقرن بما يلائم المستعار له ، نحو : فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [ النحل : 112 ] استعير اللباس للجوع ، ثم قرن بما يلائم المستعار له من الإذاقة ؛ ولو أراد الترشيح لقال : ( فكساها ) ، لكنّ التّجريد هنا أبلغ ، لما في لفظ الإذاقة من المبالغة في الألم باطنا « 1 » . والثالثة : ألّا تقرن بواحد منهما . وتنقسم باعتبار آخر إلى : تحقيقيّة ، وتخييليّة ، ومكنيّة ، وتصريحيّة « 2 » . فالأولى : ما تحقّق معناها حسّا ، نحو : فَأَذاقَهَا اللَّهُ الآية ، أو عقلا ، نحو : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً [ النساء : 174 ] أي : بيانا واضحا وحجّة لامعة ، اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [ فاتحة الكتاب : 6 ] أي : الدين الحق ؛ فإن كلّا منهما يتحقّق عقلا . والثانية : أن يضمر التشبيه في النفس ، فلا يصرّح بشيء من أركانه سوى المشبّه . ويدلّ على ذلك التشبيه المضمر في النفس ، بأن يثبت للمشبّه أمر مختصّ بالمشبّه به . ويسمى ذلك التشبيه المضمر : استعارة بالكناية ، ومكنيّا عنها ؛ لأنه لم يصرّح به ، بل دلّ عليه بذكر خواصّه . ويقابله التصريحيّة ، ويسمّى إثبات ذلك الأمر المختصّ بالمشبّه به للمشبّه : استعارة تخييلية ، لأنّه قد استعير للمشبّه ذلك الأمر المختصّ بالمشبّه به ، وبه يكون كمال المشبّه به وقوامه في وجه الشبه ؛ لتخيّل أن المشبّه من جنس المشبّه به . ومن أمثلة ذلك : الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ [ البقرة : 27 ] شبّه العهد بالحبل وأضمر في النفس ، فلم يصرّح بشيء من أركان التشبيه سوى العهد المشبّه ، ودلّ عليه بإثبات النقض الذي هو من خواص المشبه به وهو الحبل . وكذا : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [ مريم : 4 ] طوى ذكر المشبّه به وهو النار ، ودلّ عليه بلازمه وهو الاشتعال . فَأَذاقَهَا اللَّهُ [ النحل : 112 ] الآية ، شبّه ما يدرك من أثر الضّرر والألم بما يدرك من
--> ( 1 ) انظر تفسير أبي السعود 5 / 145 ، والبرهان 3 / 438 . ( 2 ) انظر « القرآن والصورة البيانية » ص 155 .